عين على الحدثة وعين على طمرة والقلب كله لشعبنا

بقلم أيمن عودة

طلوع الفجر حيث ناشئة الليل أشدّ وطئًا وأقوَم قيلا، أنهيت قراءة مذكرات الرفيق عادل أبو الهيجاء بنفَس متواصل، ينساب مع النضال المتواصل لعادل أبو الهيجاء منذ شرخ شبابه إلى يومه هذا.

كُتبت العديد من المذكرات من قادة مركزيين ومحليين. فما الذي يميّز مذكرات عادل أبو الهيجاء؟ إن أكثر ما يميزها هو العلاقة الجدلية بين المحلي والقطري، اليومي والقومي، النظري والعملي، تطبيق المواقف الفكرية والسياسية العامة في العمل في البلدة العربية، وربطها بوجدان المواطنين وقضاياهم.

لعلّ الرفيق أبا سلام يجيب مباشرة عن أهم أهداف هذه المذكرات بقوله: “فأنا لا أدوّن ذكرياتي فقط، بل استعرض تجربة شعب كنتُ أحد من عايشها وساهم فيها. وتبًا لذكريات ولمذكرات لا تقودنا إلى وعي التجربة ولا تمدنا بالرؤية لصناعة غد أفضل لمسيرتنا النضالية من اجل البقاء وتحقيق المساواة وبلورة هويتنا الوطنية وإغنائها وصولًا إلى نجاح شعبنا في انتزاع حق تقرير المصير”.

عرف جيلنا النكبة بخطوطها العريضة من حيث عدد اللاجئين والقرى المهجّرة وضياع المدينة بحداثتها المتنامية. ولكن الرفيق عادل يوجّه كشّافًا يخترق الخطوط العريضة إلى التفاصيل المعيشية. فالمنكوبون بشر، عوالم بأسرها، فقدان الحيلة، التنقّل القسري، فـ”للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه”. وربما أكثر ما أثار مشاعري بقراءة المذكرات حديث أبي سلام عن زيارته مع أهله قريتهم المهجّرة “الحدثة”، فكتب: “وما إن وطئت أقدامنا أراضيها حتى خررنا راكعين ساجدين عليها، أخذنا نقبّل الأرض، وبأيدينا نجمع تربتها، نشمّها، نعفّر بها رؤوسنا وشعْرنا، نغسل بها وجوهنا. ويعلو الصراخ والأنين مختلطًا وممزوجًا بالفرح وبالزغاريد والأهازيج”.

في مقاربات النسيان والصفح، يقول جاك دريدا إن الذكرى واجب! أما الصفح فله شروطه وأساسها: اعتراف الجاني، وأن يطلب هو الصفح وقد تاب وتغيّر والتزم بسلوك مغاير وبنهج ٍ مصحّح ومتفق عليه مع الضحية. الرفيق عادل وحزبه يروْنَ أن المصالحة تقتضي الاعتراف بالغبن التاريخي وتصحيحه عن طريق إقامة دولة فلسطين، والإقرار بحق العودة للاجئين والمهجرين، ونبذ الأيديولوجية العنصرية، لذا كانت وصية عادل أبو الهيجاء الأبرز في هذه المذكرات هي الدعوة إلى إقامة متحف ليكون “مدرسة مفتوحة يؤمها أطفالنا وأجيالنا الناشئة وضيوفنا من العالم ومن المواطنين اليهود للمعاينة وسماع المحاضرات”. ويكمل: “آمل أن لا تبقى وصيتي وصرختي هذه حبرًا على ورق”.

ولكن الحنين إلى الحدثة والمشروع الحقيقي لعودة أهاليها، ليس بديلا عن حتمية التأسيس الشخصي والعائلي، والنضال الوطني والاجتماعي داخل البلدة المُضيفة طمرة التي تتحوّل هي أيضًا إلى بلدته:

“عشرون عامًا.. وانا.. وانا يسكنني الحنين والرجوع

كبرت في الخارج

بنيت أهلا آخرين

كالشجر استنبتُّهم، فوقفوا أمامي!”.

                                                                             (الأخوان رحباني)

وإذا كانت النكبة هي الحدث التاريخي الأكثر تأثيرًا، فإن انتماء الرفيق عادل أبو الهيجاء ابن الـ17 عامًا إلى الحزب الشيوعي هو الحدث التنظيمي والأيديولوجي الأكثر أهميةً في بلورة شخصيته وخياره للمسار الكفاحي. يقول في ذلك: “أحسستُ أني وُلِدتُ من جديد. تثقفتُ واتسعت مداركي واهتماماتي، وأصبحتُ ابنًا لعموم شعبي وحاملاً لقضاياه، لا ابنًا لعائلتي فقط ولا مهمومًا بهمي الشخصي فقط. واتسعت معرفتي بجيل الشباب وبهموم أهالي طمرة وشعبي عامة”. ويقول: “لم أنم ليلتها، قضيت الليل وأنا أقرأ وأكرر قراءة أعداد “الاتحاد” القديمة وبيانات عصبة التحرر الوطني” عن أحداث عام النكبة – عام 1948.

أن تكون شيوعيًا يعني أن تكون ملاحقًا من قبل السلطات، ويعني أن يجافيك عدد كبير من أهالي البلدة، ولكن الأقسى هو أن ترفضك العائلة وتُطرد من البيت. ليس لأن أهلك غير وطنيين، وإنما لأنهم يخشون عليك. يضطر الشاب عادل الذي أسر الحزب من عقله وروحه الى ترك البيت حتى حين:

“والله يا عمّاه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركته!”.

ولكن عاطفة الأم سريعًا ما استدعته. يوافق أهله على اختياراته ويبدأ مسيرته التي يعرفها اليوم أبناء شعبنا. فمن المعارك اليومية للحفاظ على البراكيات الزراعية، وبيوت اللاجئين، ومد خط الحافلات، إلى توزيع الجريدة الحزبية، وندوات التثقيف الوطني والاجتماعي، ومخيمات العمل التطوعي التي تربّي على العطاء والانتماء والثقافة التقدمية، إلى المعارك الكبرى لإفشال الاحتفالات بـ”استقلال دولة إسرائيل” في أيار 1958، حتى تأسيس لجان المهجرين، إلى صناعة يوم الأرض الخالد، وصولًا إلى فوز الجبهة في عضوية بلدية طمرة وفوزها المتكرر برئاسة البلدية.

لهذا كان الرفيق عادل أبو الهيجاء الشيوعي النموذجي في ظروف القرية العربية التي حمل همومها وهي جزء من الهم العام لشعبه. هو القائد الميداني المخطط والشجاع والمواجه، نظيف اليد، المتوازن في مواقفه. يحترم الدين والمتدينين الى جانب رفضه الحاد للتعصب الطائفي والعائلي. ويجلّ كل عائلات طمرة الصغيرة منها والكبيرة. ويكون بيته نموذجًا لتلاحم أفراده مع قضايا الشعب، والعنوان المضياف والمفتوح على مدار اليوم لعموم الأهالي. وهذه صفة ورثها الرفيق عادل عن والده محمود الذي كان يطلب من زوجته خديجة بعد كل هجيج: “لا تنسي القهوة وأباريقها وغلاياتها”، حتى لو كان بيتهم براكية تحت خروبة. لهذا فكلّ من يزور بيت الرفيق عادل يرى بجانب الباب الرئيسي موقد القهوة السادة، ويلمس الشراكة البيتية والكفاحية مع زوجته النموذجية سميّة (أم سلام) التي يلتفت إليها الرفيق عادل في كل ضائقة، فتكرر عبارتها: “لا تقلق يا عادل سندبّر أمورنا المالية”. وبهذا العطاء الشعبي والعائلي والشخصي يقدّم الرفيق عادل نموذجًا لافتًا في تطبيق النظرية على الساحة البلدية.

إنتُخب عادل رئيسًا لبلدية طمرة في العام 2003. أذكر حلقات الدبكة وفرح الناس، والجُمل التي تداولها الناس فيما بينهم: “أكثر واحد بطلع له”، “أعطى للكلّ قبل نفسه”، “حدث تاريخي”. يترشحّ عادل ثانيةً ويفوز، ويُعلن أنه لن يترشح لدورة ثالثة، ويفي بوعده.

أظن أن وراء كل نشاط للرفيق عادل كانت تقف كلمات والده أيام النكبة مرددةً: “لو أتاحوا لهذا الشعب البسيط وَالطيّب والوطني أن يمسك زمام أموره بيده بدلا من أن يتآمروا عليه لما ضاعت فلسطين ومعها الحدثة”.

يا أبناء طمرة، يا أبناء شعبنا، اقرأوا هذا الكتاب، قليلا من أجل الماضي وكثيرًا من أجل المستقبل:

“من يكتب حكايته

يرث أرض الكلام

ويملك المعنى تماما”

                              (محمود درويش)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *