عندما أذكر قرية الحدثة تلج في مخيلتي صورة عادل أبو الهيجا كأحد أبنائها. هناك وُلد، ومنها هُجّر وطرد. وعندما التقي أو أذكر أبو سلام تأتي طمرة العامرة، واحدة من البلدات الباقيات.

طفولة قاسية مريرة شرسة كأطفال فلسطين على الأقل منذ النكبة، مع تفاوت هنا وهناك في ظروف العيش وأمكنة التواجد والوجود.

تعرفت على ابو سلام منذ عقود عديدة كرفيق قيادي في الصرح الشيوعي والجبهوي والمجتمعي، له حضوره الوطني السياسي الاجتماعي الأممي. بيننا خبز وملح وقهوة سادة ووحدة حال لا تخلو أحيانًا من عتاب متبادل حميم ضمن الانتماء الأصيل لشعبنا وفكرنا.

أطلعني على مسودة وفحوى هذا الكتاب قبل ان يرى النور، عن السيرة والمسيرة، عن نصاعة الانتماء وزخم العطاء، وهي معروفة لي بخطوطها العريضة ونسيجها العام. أغْناها بسيل دفّاق من التفاصيل المدهشة ذات النكهة المذهلة، عندما سجّلت الذاكرة الزاخرة على الورق أسماء وأوصاف المواقع والأحياء ومنابع المياه وأسماء الأشخاص، ومراحل هذا التنقل القسري بين العديد من بِقاع هذا الوطن قبل الاستقرار في بلدة طمرة المضيافة والعامرة بأهلها، كل أهلها، والإصرار الممهور للعودة إلى مسقط الرأس.

هذا الطفل، بِعناد وتضحيات، يتغلب على العديد من المطبات والعراقيل وصخور العثرة! فلا شيء يقف أو يجب أن يقف أمام إرادة الإنسان إن عاجلًا أو آجلًا لنيل الحق السليب والحياة الكريمة.

هذا الطفل الذي فقد البيت الكبير العامر بأهله وبالضيوف، وما فيه من نعمة العيش من القمح والسميدة والزيت عمود البيت، ومن مركبات الغذاء القروي الفلاحي التقليدي الأصيل، مما تجود به الأرض الطيبة، ثمرة جهد وعرق أفراد الأسرة من الكبير والصغير ومن النساء والرجال.

هذا الطفل فقد مسقط الرأس وأسباب العيش الكريم، ومرابع الطفولة والاستقرار، ومروج الذكريات، يصل إلى مراكز مرموقة بأهلية وكفاءة حتى رئاسة البلدية. وينال ثقة العدد الكبير من الناس وهو واحد منهم مدجج بسلاح الأمانة والإخلاص والجرأة والعطاء والمبدئية والاستقامة والتواضع. لا يعرف المهادنة ولا قطف الرأس ولا التلوّن. وهو يعرف أن التلوّن إذا دَبّ ورق الشجر فهي علامة السقوط.

سبح ضد التيار السائد، المُساق بسوط سلطة الاضطهاد والتهجير ومحاولة إشعارنا بالغربة في أرض الوطن! ومن يسبح مع التيار قد يكون حيًا وقد يكون ميّتًا، أما السمك الذي يسبح ضد التيار فلا يمكن إلا أن يكون حيًا.

لهذا الكتاب قيمة تاريخية اجتماعية وثقافية هامة. فيه ملامح المذكرات والذكريات الشخصية، لكن كواحد من المجموع وضمن المجموع، تأثر بالبيئة الاجتماعية وأقّر فيها لما هو أفضل.

باستقامة ومسؤولية، أبرز العُذر للمنافسين المحليين الذين تأثروا بالتيار السائد تحت ضغط الظروف ووعود ووعيد الحكم العسكري ومجمل السياسة الرسمية حتى اليوم. نظر إليهم بتفهم واحترام ولم يوافقهم الرأي ولا الطريق ولا الأسلوب.

له ولرفاقه أوّليات ومبادرات في طمرة وبين المهجّرين، في كل شكل من أشكال الجبهات والتحالفات. بعضها كُتبت لها الحياة، وبعضها افتقدت المسافرين في مشوار وقطار التعاون الذي أصرّ عليه رغم القتل  المؤقت.

باستقامة وتواضع ونكران ذات، أبرز دور وفضل القدامى العريقين الذين سبقوه في هذا الخط النضالي على النطاق المحلي والقطري. حتى عندما تحوّل البعض لم يغمط حقهم ودورهم.

منعته الظروف الشرسة من إكمال دراسته الابتدائية فاضطر إلى الاندماج في سوق العمل المتنوع لتحصيل لقمة العيش بكرامة وإباء وكبرياء، متصديًا لكثير من الضغوطات، رافضًا الإغراءات الممهورة بالتنازل. الإنسان الكبير ذو الهمة الشامخة والقيم الإنسانية ليس سلعة للتداول وللبيع والشراء.

اختار الصعب الصحيح وليس السهل الخطأ. كوّن نفسه بنفسه في مدرسة الحياة، بحلوها ومرها، وما فيها من صعود وانحدار، أخذ الإيجابي البناء ونبذ وحارب السلبي الهدام.

باحترام، وبوعي معروف عنه أبرز دور شريكة حياته أم سلام وأفراد أسرته السائرين تحت نفس الراية النضالية.

يخرج هذا الكتاب وبإبداع عن الطرح التقليدي الدارج المألوف للمذكرات الشخصية. هو ذاكرة جماعية لعب فيها أبو سلام الدور الناشط مما أبعده عن الذاتية والأنانية. أبرز دور الآخرين في عمران طمرة مع أنه كان فارس الاقتحام في رفع الغبن اللاحق بمجال التعليم الذي هو أحد المجالات الأكثر حيوية وأهمية لبناء الإنسان المتعلم المثقف. في حديث عريق شريف قورن المداد وحبر الكتابة كناية عن العلم، بدم الشهيد على قدسيته.

هذه هي صفحات هامة ، بل مجلدات وسجلات غنيّة من حضارتنا التي نعتز بها. أقيمت المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية في أبنية لائقة بديلة عن الغرف المستأجرة المبعثرة، حتى نال شهادة تقدير من السلطات الرسمية رغم موقفه منها.

بادر وساهم بجرأة إلى تحويل مواقع كاملة إلى أحياء سكنية عامرة بالرغم من معارضة السلطة. قاد سلسلة من مهرجانات الوحدة في مجال العمل التطوعي دعما للناس والمجلس المحلي حتى وهو في المعارضة. هذا ينطبق على شق الشوارع والبيئة التحتية. والكتاب كتاب محبة لطمرة كابن بار لها يغار عليها كما يغار على الحدثة مسقط الرأس.

الطفل المهجّر المطرود المحروم يقطع مشوارًا شائكًا في الحياة ليصل إلى رئاسة البلدية. رأى في الرئاسة مسؤولية وورشة عمل ونيْل واستلاب الحقوق ! لم تحنِ هامته الصعاب ولم يفقد تواضعه، لأن قلبه مفعم بالمحبة. سنبلة القمح الهيني وكف الرحمن تحني رأسها من ثقل الغلة والثمر، أما السنبلة  الفارغة فترفع رأسها بغرور. هنالك أناس كالورق بلا شوك، وهناك أناس كالشوك بلا ورق. وعلينا أن نتعايش مع الجميع ونصب أعيننا القضايا الجوهرية والمصيرية.

لا يمكن لكلمات التقدير هذه أن تفي الكتاب حقه من حيث قيمته وجدواه ورسالته، ومن حيث الجهد المبذول ليرى النور، ليكون مثلًا شخصيًا وجماعيًا لأجيال تجهل الكثير من هذا العطاء وهذه المعطيات.

تلاءم فيه الشكل مع المضمون من حيث تحريره بقلم رفيق الدرب المجرّب القدير سميح غنادري، بأسلوبه في تسجيل الأحداث بهذا الانسجام، مما أعطى الكتاب دافعًا جذابًا لقراءته مع المضمون والذكريات والمذكرات الحية التي تكاد تنطق متخطية مرور الأيام والأعوام.

هذه الذكريات والمعطيات المنثورة كحبات القمح المغربَل المنقى في الأرض الطيبة الخصبة ستظل مرجعًا ومحرّكًا وموجهًا، ومعلمًا حضاريًا فيه نكهة القيم الإنسانية الثورية السامية، ورسالة تقول أن دور الفرد على أهميته لا يمكن إلا أن يكون بالالتصاق بالناس وقضايا الناس، والقيام بدور قيادي وفي علاقات اجتماعية حميمة كما كان وكما هو أبو سلام.

رأيته وهو يسحج ويدبك في الأفراح، ويخطب في الاجتماعات، ويشارك ويحزن في الأتراح، في مختلف مواقع الوطن ومركبات مجتمعنا بكل أطيافه.

أبو سلام ابن الحدثة، ابن طمرة، ابن الحزب والوطن والشعب والانسانية البار، عوفيت مع امنيات الصحة والسعادة والعيش الكريم ودوام العطاء.

سميح غنادري