آل أبو الهيجاء: اسمي الكامل هو عادل محمود عبد الرحمن عيسى أبو الهيجاء. عبد الرحمن هو جدي ومحمود هو والدي. ولدتني أمي خديجة في الثاني من حزيران عام 1939. أنا المولود السادس بين سبعة إخوة وأخوات هم: عبد الرحمن ونصرى ومحمد وكاملة وآمنة وعادل ومروان. وكان قد توفيّ لعائلتنا طفلان هما بدران وسميّة. لم أعرف الفاقة والفقر في طفولتي حتى بلوغي سن التاسعة من عمري – وهو العُمر الذي استحلتُ فيه إلى ” لاجىء” في وطني وفقدت فيه قريتي.

جدي عبد الرحمن ووالدي محمود من بعده كانا ” المختاريْن” غير المتوجَيْن رسميًا لبلدتنا. هكذا تعارف عليهما الأهالي، بل وصل صيتهما إلى خارج حدود الحدثة لحكمتهما وكرمهما وأمانتهما ووطنيتهما. وما زلت أذكر الوفود التي كانت تزور بيتنا من شتى القرى القريبة والبعيدة عن الحدثة طالبة مشورة الوالد ومساهمته في حل خلاف أو عقد صلحة ما في قراهم. وكان الوالد أيضًا معطاءً وكريمًا في دعمه للعائلات الفقيرة وتوفير ما تحتاجه من حبوب وبقوليات لطعامها، خصوصًا في أيام المحْل.

كانت عائلتي ميسورة الحال، إذ ملك والدي مئات الدونمات من الأراضي الزراعية والمواشي للعمل وبعض الأغنام والماعز والأبقار لتوفير حاجة البيت من حليب ولحوم. كان مسكننا عبارة عن بيتيْن كبيريْن بالإضافة إلى مخازن للحبوب وحوش للديوان ومضافة. بلغت مساحته بمرافقه كلها اكثر من 400 متر مربع. لا أستطيع أن أقول، حسب مفاهيم عصرنا اليوم، إننا كنّا أغنياء. لكننا لم نفتقر لأي شيء من احتياجات الحياة الكريمة في ذاك الزمن الماضي. كان والدي أحد الملاّكين في الحدثة، وجميع أهل البيت عملوا معه في فلاحة الأرض. لم نعرف الفقر إلا بعد تهجيرنا من الحدثة والاستيلاء على أرضنا وأملاكنا من قبل دولة إسرائيل وعصاباتها العسكرية الصهيونية منذ أيار 1948.

عائلتي “أبو الهيجاء” عائلة عريقة ومعروفة برزت منها، على مر تاريخها، شخصيات مشهورة كان لها دورٌ وطنيّ في تاريخ منطقتها وشعبها. أذكر منها: حسام الدين أبو الهيجاء من كربلاء، وهو مجاهد كبير ساهم كقائد عسكري وديني في حرب الجهاد لقوّات صلاح الدين الأيوبي (1138-1193) لتحرير فلسطين من احتلال الفرنجة – ” الصليبيين”. وهو مدفون في مقام يحمل أسمه في قرية كوكب الجليلية التي حملت هي أيضًا إسم عائلته إذ دُعيت ” كوكب أبو الهيجاء”. ويعود أصل آلـ أبو الهيجاء وحسام الدين إلى كربلاء في العراق، ومن هناك قدموا إلى فلسطين وتوّطنوا فيها.

أسمع في طفولتي حديث الكبار عن عراقة وجهاد العائلة. ثمّ تتلوها أحاديث عن مساهمة العائلة في ثورة فلسطين أعوام 1936-1939، ومشاركة شخصيات من آل أبو الهيجاء في الثورة في فصيل توفيق الإبراهيم قنانبه من قرية أندرو، وهم سعيد علي وحسن سعيد ومصطفى اسماعيل ومحمد عبد الله وأمين حسين وعبد الرحمن وأخوه سليمان محمد خطيب… وكلهم من بطون عائلة أبو الهيجاء. وعلمتُ من أبي أن قريتنا الحدثة حوصرت وهوجمت مرتيْن من قوات الانتداب البريطاني في أثناء الثورة وذلك في أيلول 1937 وتموز 1938، بسبب كفاح أهلها ضد الانتداب وإلى جانب الثوار.

تفتخر قريتنا وعائلتنا بمعركة أخرى خاضها عموم أهلها – رجالاً ونساءً وصغار السن من الأبناء والبنات ضد قوات جيش  وشرطة الانتداب البريطاني. إذ قامت تلك القوّات بتهجير عشيرة ” السميريّة” عام 1946 من بلدة ” كوكب الهواء” وأتت بها لتوطينها على أراضي الحدثة في موقع وادي ومراعي الجبليط. هبّت قريتنا عن بكرة أبيها كرجل واحد وأبلت بلاءً حسنًا في مواجهة القوات البريطانية، وهي تصرخ: هذه بلدنا، هذه أرضنا، هذه مراعي مواشينا، ولن نسمح لأحد بالإستيلاء عليها. أعيدوا أهل ” السميريّة ” إلى أرضهم التي قمتم بتهجيرهم منها. وكانت النتيجة أن أهل بلدنا انتصروا على القوات البريطانية.

يواصل أبناء عشيرة أبو الهيجا، في كل من فلسطين والأردن والبلاد السورية عمومًا، جهادهم وكفاحهم الوطني مع شعبهم إبان النكبة ومع إنطلاقة الثورة الفلسطينية وتأسيس م.ت.ف والكفاح المسلح، وحتى يومنا هذا. ويقال، حسب إحصاء شبه دقيق، أنه منذ عام 1948 وحتى السنة – 2017 يكون قد سقط ما يقارب المائتي شهيد من عائلة ابو الهيجا.

غنيّ عن البيان أني متحرر من أي تعصب عائلي بغيض. فكل العرب الفلسطينيين هم عائلتي. وحين أستذكر المواقف الوطنية القديمة وأيضًا الحديثة لعائلتي لا أقصد الإشارة فقط إلى كوْني قد  نشأتُ في عائلة وطنية، وإنما أيضًا أردتُ القوْل أن عموم العائلات الفلسطينية من الناس الفلاحين ومربي الماشية والرعاة والعمّال وكافة بسطاء هذا الشعب، كانت وطنية بالسليقة ولم تذدنب لا لإستعمار غربي ولا لصهيونية استيطانية غاصبة ومحتلة، ولا لرجعية عربية خائنة لمصلحة شعبها. لكن لم تتأتَّ لتلك العائلات قيادة فلسطينية وعربية عامة موحّدة وناجعة كان بإمكانها أن تجنّبهم النكبة ومآسيها.

وإن نسيتُ بعض أحداث الذكريات عن نكبة فلسطيننا وقريتنا الحدثة، لن أنسى ما قاله لي والدي ونحن لاجئون في قرية طمرة، بعد خمس سنوات من تهجيرنا عن الحدثة. قال: لو أتاحوا لهذا الشعب البسيط والطيّب والوطني أن يمسك زمام أموره بيده بدلاً من أن يتآمروا عليه لما ضاعت فلسطين ومعها الحدثة.

سألته: يابا هل سنرجع إلى الحدثة ونعود للسكن في بيتنا هناك؟ أجابني: هدمت إسرائيل الحدثة يا حبيبي واستولت على أرضها، والقضية  ” مبيوعة”، باعتها القيادات والحكومات العربية. أتذكر يا عادل ما رويته لك عن انتصارنا على العساكر والبوليس البريطاني حين أراد توطين ” السميريّة” على أراضي الحدثة؟ لقد انتصرنا عليهم لأننا كنا موحّدين، ولأننا اخترنا طريق الصمود والتحدي والتصدي، والاستعداد للقتال والتضحية في سبيل بلدنا وأراضينا وأبنائنا، وأخذنا زمام أمورنا بأيدينا.

وتابع والدي: الهمّة فيكم يا ولدي. أنا كبرتُ ولن تعود الحدثة ولن نعود لها وأنا ما زلت حيًّا. إياكم ان تفرّطوا بها وبأرضها. أعيدوها وعودوا لها بوحدتكم وإصراركم. أتعرف يا عادل أن حاكم المنطقة البريطاني استدعاني بعد أسابيع من أحداث  ” السميريّة” وعرض عليّ أن أكون مختارًا على الحدثة؟

“وهل أصبحتَ أنتَ المختار”؟ سألته. أجابني محتدًا: مختار بإسم بريطانيا ولخدمتها؟ الموت أسهل عليّ من هذا. قلتُ للبريطاني: المختار هو من يختاره أهل بلده. وأهل بلدي اختاروا أن يتصدوا لمن يعتدي عليهم. وأنا بهذا مختارهم دون أن يقوموا بانتخابي وتعييني. فإياك ثم إياك يا عادل أن تكون ” مختارًا” إلا لشعبك وبإسمه.

طال سهري يومها، أنا إبن الثالثة عشر من عمري، وأنا ممدد فوق طرّاحتي على الأرض في غرفة اللجوء في طمرة. حين أكبر سأصبح ” مختارًا” يعيد فلسطين ويعود مع أهله إلى بيتهم في الحدثة – هذا ما حلمت به ليلتها في يقظة أحلامي الوطنية، وفي أحلام تعاسة اللجوء.

عادل أبو الهيجا